ترجمة مجدد الطريقة الشيخية سيدي بوعمامة


بسم الله الرحمن الرحيم

هوالعارف بالله تعالى قطب زمانه، وفريد أوانه، المجاهد سيدي الشيخ محمد أبوعمامة البوشيخي الصديقي بن العربي بن الشيخ بن الحرمة بن محمد بن ابراهيم بن التاج بن شيخ الطريقة وشمس الحقيقة سيدي الشيخ عبد القادر بن محمد رحمهم الله . إزداد حوالي1840م في واحة فجيج بالمغرب. قرأ القران الكريم صغيرا والعلوم الشرعية في الزوايا على مجموعة من الشيوخ نخص بالذكر منهم والده الفقيه الصالح، سيدي العربي بن الشيخ، وفي وسط عرف بالفضل والدين والصلاح، نشأ سيدي أبوعمامة نشأة عربية إسلامية كان لثورات أولاد سيدي الشيخ ضد الاحتلال كبير الأثر في نفسية الشيخ، وغرست فيه رغبة الجهاد، إتصل بكل أبناء عمومته أولاد سيدي الشيخ وأحبابهم من القبائل (اولاد سيدي أحمد المجدوب، المهاية، العمور، الشعانبة، الأغواط .....). جمع الصفوف ووحد الكلمة استعدادا لخوض المعركة.

تربى الشيخ سيدي بوعمامة وترعرع على يد مقدم سيدي الشيخ،سيدي محمد بن عبد الرحمان، وهو الذي أشار عليه بالذهاب الى مغرار التحتاني جنوب ولاية النعامة الجزائر، حيث أسس زاويته حوالي 1875م، إحياء لطريقة الجد سيدي الشيخ في بلدة مغرار، حاول الشيخ أن يوحد كلمة أولاد سيدي الشيخ بعد أن تفرقت كلمتهم عقودا طوالا، وقد عمل بكل جد وإخلاص إحياء الطريقة الشيخية وإعطائها روح جديدة، بعد أن كادت تنمحي بسبب الصراع بين طوائف أولاد سيدي الشيخ حول الزعامة والأمور الدنيوية، وبنى هناك زاوية بمساعدة سكان البلدة، وأعلن أنه مرتبط دائما بالطريقة الشيخية، أي أنه لم يبدع طريقة جديدة، كما لم يعلن انفصاله عنها، أي أنه لم ينشئ طريقة خاصة بل هي بوشيخية شيخية متفتحة لكل المسلمين بدون تحفظ ولاتميز

وقد التف حوله المريدون من مختلف القبائل، واكتسب سمعة حسنة بينها بالجزائر والمغرب، لتواضعه وتقواه ولأخلاقه المثالية فقد ذكربعض من عرفه أنه لم يؤثر عنه منذ أن بلغ أشده أنه ضحك القهقهة، ولم يكن ضحكه الا تبسما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عنه أنه مد رجله في جماعة، وحتى في أيام شيخوخته، ولم يصح أنه أخر وقت الصلاة .

كانت مجالسه روضة من رياض الجنة، حافلة بالعلم والذكر الجماعي خاصة دور سيدي الشيخ لاإله إلا الله، والتذكير والتناصح، لا يذكر أحدا من البشر بسوء حيا كان أو ميتا، كانت مجالسه كلها دعوة الى الله عز وجل وإلى طريقة أسلافه وتهاطلت عليه الوفود من كل جهت تحمل معها الهدايا والزيارات، إبتغاء البركة، وتجديد الطريقة، فإتسعت الصلات وتوثقت مع مختلف الطوائف، وكان الشيخ أنذاك لا يتوانى عن زيارة جده وشيخه سيدي الشيخ، المتواجد ضريحه ببلدة البيض الجزائر إلى أن إنتقلت إليه المشيخة بعد أن وقع له الفتح الكبير .

ما يحكى: أن الشيخ سيدي عبد القادر بن محمد : سيدي الشيخ كانت لديه ياقوتة وهي عبارة عن شيء يشبه كرة متوسطة توارثها مشائخ الطريقة.

أوصى بها لإبنه سيدي الحاج أبوحفص ثم إنتقلت بعد موته إلى أخيه سيدي الحاج عبد الحاكم ثم لإبنه سيدي بحوص الحاج ثم لإبن عمه سيدي بن الدين الذي أعادها إلى مكانها قبيل موته أي داخل ضريح سيدي الشيخ قائلا: لا أحد يقدر على مسها أو حملها لأن عندها الإسم صاحبها لم يظهر بعد : وتذكر الرواية أن عددا كبيرا من أولياء الله تمنوا أن تكون من نصيبهم، تعبدوا الله وترددوا على : قبة سيدي الشيخ : دون أن يحصلوا على مبتغاهم، إلى أن ظهر الشيخ بوعمامة، الذي كان يتردد هو بدوره على : قبة جده : إلى أن قيل له ذات مرة أنت صاحب الياقوتة، أنت صاحب المنزولة .

ترجمة الشيخ سيدي أبوعمامة مفصلة ومفيدة ان شاء الله تعالى

عاش الشيخ بوعمامة في وقت خاص ودقيق جدا. خاص لكونه تزامن مع الحملة الشرسة الشعواء التي شنها الاستعمار الفرنسي الغاشم على البلاد الإسلامية عموما وعلى أقطار المغرب العربي على وجه الخصوص. وكانت تلك الظروف القاسية تحتم على جميع من عاش في تلك الفترة من المسلمين أن يواجه الاستعمار، بجميع ما يستطيع، وعلى أي مستوى كان، رئيسا أو مرؤوسا، حاكما أو محكوما، لأن بلاد الإسلام احتلت وحرمات المسلمين انتهكت وخيراتهم اغتصبت وكرامتهم أهينت وأعراضهم انتهكت، بل ودينهم بدل وشخصيتهم مزقت وهويتهم طمست. فالجهاد لا شك صار فرض عين على الجميع، كما هو من المعلوم من الدين بالضرورة. وهذا ما أفتى به جملة من علماء وفقهاء ذلك العصر. إلا أن السؤال ظل قائما، من يملك حق إعلان الجهاد ويتزعم فلول المجاهدين، ما دام لا بد لإعلان الجهاد من قيادة؟ ـ أما بالقطر الجزائري الشقيق فإن أول ما بدأ به الاستعمار هو تنحية النظام العثماني الذي كان صاحب السلطة الشرعية. وبعد ذلك استطاع أن يجعل حدا لشرعية الأمير عبد القادر ولثورته في الظروف المعروفة. ثم استطاع أن يخمد مجموعة من الثورات التي أذاقتهم المرارة لعدة سنوات، من ذلك ثورة الشيخ المقراني وثورة الشيخ الحداد وغيرها وكثورة أولاد سيدي الشيخ التي كانت لا زالت لم تخمد بعد بصفة نهائية. هكذا إذن كانت تتم تصفية أو تنحية الزعامات الكفيلة بحمل راية الجهاد للدفاع عن حوزة بلاد المسلمين وحرماتهم. صار إذن من أوجب الواجبات على كل من يملك مؤهلات الزعامة السياسية والقيادة العسكرية أن يتحمل هذا العبء العظيم، خصوصا إذا كان يشعر بالمسؤولية أمام الله تجاه نصرة الإسلام والمسلمين.

ـ أما بالقطر المغربي العزيز فإن المسألة كانت تختلف، إذ ينبغي التمييز بين فترتين متباينتين بجميع المقاييس:

أ ـ فترة ما قبل حرب إيسلي المشؤومة، والتي كانت فيها صورة المغرب تخيف الاستعمار الذي كان ينظر إليه بنظرة الحيطة والحذر. وكان السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام آنذاك يقوم بالدعم العلني لثوار الجزائر، بل ويعلن صراحة أنه ما كان له أن يتخلى عن إخوانه المسلمين وهم يعانون ويلات الاستعمار، ( أنظر تاريخ المغرب العربي ليحيى جلال). كما كانت تربطه علاقة بيعة وولاء مع الأمير عبد القادر وسكان تلمسان ونواحيها بالغرب الجزائري. والمراسلات الكثيرة بين الرجلين في المجال لا زالت شاهدة على ذلك. وكان موقفه هذا عظيما باعتباره أميرا للمؤمنين من مسؤولياته الاهتمام بشؤون الأمة والدفاع عنها. بل إن هذه المواقف الشجاعة هي التي قادته إلى خوض معركة إيسلي التي، مع الأسف الشديد، غيرت مجرى التاريخ إلى ما لم يكن بالحسبان.

ب ـ فترة ما بعد معركة إيسلي، التي دارت رحاها قرب مدينة وجدة في غشت 1844، فترة تأكد فيها الاستعمار من هشاشة المغرب وضعفه وأنه لم يكن بتلك الصورة المخيفة من القوة والتنظيم التي كان يعتقد. ومنذئذ سقط من عينيه واستصغره حتى صار يملي عليه من الشروط ما يريد في ما تلا تلك المعركة من اتفاقيات مشروطة، كاتفاقية طنجة في سبتمبر 1844 التي فرض عليه فيها أن يتخلى مكرها عن الأمير عبد القادر، وأن يخول فرنسا حق متابعة من تشاء بالتراب المغربي، وكارثة اتفاقية لالة مغنية في مارس 1845 التي ترتب عليها ما ترتب من مشاكل معقدة ومتعددة في ما بعد. بعد كارثة تلك المعركة اضطر النظام المغربي إلى تغيير مواقفه بالمرة، كنتيجة حتمية، نظرا للمخاوف التي صارت تهدده، وصار يبذل قصارى الجهود لتفادي المواجهة من جديد، خصوصا بعد ما توالت عليه الأزمات الاقتصادية والسياسية المتعددة عبر السنين. تفاقمت تلك الأزمات ولم يجد لها حلا رغم عظمة وحنكة المولى الحسن الأول في ما بعد. المخاطر صارت تتهدده من كل جانب، من الداخل ومن الخارج ......

لقد كان أمام الشيخ بوعمامة مسئوليتان كبيرتان لا تقل الواحدة عن الأخرى...
ـ حمل راية الجهاد التي صارت فرض عين عليه بالخصوص بالنظر إلى مؤهلاته الخاصة،
ـ تجديد الطريقة الشيخية التي ينتمي إليها صلبا وقلبا بعد ما آلت إلى ما إليه من شتات في ظروف معروفة. وهذا ما حصل بالفعل....
ـ أما الجهاد فقد حمل رايته لأجل الجهاد في سبيل الله ليس إلا، وهذا ما جعله لا يستسلم بحال مهما تكالبت عليه الخطوب وسدت أمامه المنافذ، لأن يقينه في الله كان عظيما، ولأنه إنما قام لتحقيق إحدى الحسنيين، إما النصر أو الاستشهاد. وقد ثبت فعلا أمام جميع الضغوط التي مورست عليه بجميع ألوانها. ولم يلن ولم يستسلم طيلة سبع وعشرين سنة من المقاومة، إلى أن وافته المنية يوم 10 رمضان 1326 موافق 7 أكتوبر 1908.وسنرى بعد قليل جملة من الشهادات في هذا الصدد.
ـ وأما تجديد الطريقة فتلك قضية كبرى اجتبته العناية الربانية لها. اجتبته عناية الله ليجدد هذا المشرب العظيم، الطريقة الشيخية التي نحن بصدد الحديث عنها، ويحمل باسمها وفي ظلالها راية الجهاد.
فالشيخ بوعمامة إذن هو مجدد للطريقة الشيخية وجامع لشتاتها وموحد لصفوفها.

2) تعريــــــف:

وفي صدد التعريف به يقول:
د، عبد القادر خليفي في كتابه المقاومة الشعبية للشيخ بوعمامة:
" ولد بوعمامة في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، تعلم القرآن بين أقرانه في دوار القبيلة، ثم انتقل إلى فقيق وبني ونيف، حيث واصل تعليمه على يد عدد من الفقهاء أشهرهم محمد بن عبد الرحمان مقدم الطريقة الشيخية حيث كان التعليم في تلك الجهات رتيبا سطحيا يعتمد على تحفيظ القرآن دون تدبر وتفهم في آياته، يقوم به محفظون (مشارطين) كانوا في الغالب يفدون من تافلالت وكرزاز. التقى به في شبابه سي حمزة بن بوبكر زعيم أولاد سيد الشيخ الشراقة في بني ونيف عند ضريح سيدي سليمان بن بوسماحة، وقد توسم فيه خيرا ورجا أن يكون له مستقبل مشرق."
وفي ذكر شمائله يضيف في الصفحة 100:
" لقد اتصف الشيخ في ما وصلنا عنه بحسن الخلق ولين الجانب. كان ورعا تقيا، يعامل الناس بكل لطف وإحسان، نستدل على ذلك في ما ورد في صحيفة البرهان المصرية بالأسكندرية في 4/8/1881 التي أوردت (أن الشيخ كان شديد السطوة على جيوشه، غير أنه لين العريكة مع من يلازمه منهم...)، فهو شديد حيث تجب الشدة، لين حيث يجب اللين، فلا ضرر ولا ضرار." شدة من غير عنف ولين من غير ضعف.

كان يحب الخير للناس ويدعو إلى نبذ الخلاف والفرقة، يعطف على رفاقه، ويقضي حقوقهم في الصحة والمرض، فهو آلف مألوف، وقد ورد في الأثر، أن أحبكم إلى الله الذين يألفون ويؤِلفون، فالمؤمن آلف مألوف.
وكان يعفو عمن ظلمه، ويرأف بالضعيف ويحنو على اليتيم، يطعم الجائع ويسقي الظمآن. وكانت زاويته ملجأ لكل هؤلاء وأمثالهم من ذوي الحاجة، وكان يتفقد أصحابه ليلا ليطمئن عليهم، فيربت على كتف هذا، ويبتسم لذاك، ويطلب منهم الاستراحة لمعاودة الجد.
كانت الطريقة الشيخية أفضل نموذج للدور الذي يمكن أن تقوم به مثل هذه المؤسسات الثقافية الدينية ( يقصد بها الزوايا) في المجتمع الإسلامي، فهي لم تكن طريقة متقوقعة على نفسها مهتمة فقط بأتباعها حاضنة لأورادها، بعيدة عن مشاغل المجتمع من حولها، بل كانت حية تعيش حياة الناس، تتدبر شؤونهم وتتدخل لحل مشاكلهم. وأفضل مثل لذلك هو المقاومة المسلحة التي أعلنها أولاد سيد الشيخ على الفرنسيين سنة 1864 م، ثم المقاومة الثانية التي أعلنها الشيخ بوعمامة البوشيخي سنة 1881 م. والشيخ بوعمامة هو النموذج الذي عمل لدنياه كما عمل لأخراه ضمن هذه المؤسسة."

3) كتبوا عنـــــــــه:

كثيرون هم الذين كتبوا عن الشيخ بوعمامة، من مختلف الجنسيات والمشارب، ولمختلف الأغراض والمقاصد:
* فأما الكتاب الجزائريون:
فقد وقع الإجماع منهم على عظمة الرجل وعظمة ثورته وعظمة الخدمات التي أسداها لبلدهم المسلم. ولم يشرد منهم إلا شخص واحد، صاحب طلعة سعد السعود، كتب عنه وهو تحت راية فرنسا، وباسم فرنسا، وكان طبيعيا أن يكتب عنه ما كتب.
* وأما الفرنسيون، وما أكثر من كتبوا عنه، فكانت أغراض الكتابة حوله تختلف من شخص لآخر. ومهما كانت النوايا والأهداف فإن الإجماع كان قائما منهم على عظمة الرجل واستحالة تركيعه أو حتى مجرد استمالته.
* وأما الكتاب المغاربة:
ـ فإما أن يكونوا قد كتبوا من مواقع مسئولة، وهؤلاء معروفة مواقفهم سلفا وهم معذورون في ذلك، حتى وإن كانوا يلوحون بين الفينة والأخرى بإشارات تفيد اعترافهم بعظمة الرجل.
ـ وإما أن يكتبوا من منابر حرة وينصفون التاريخ، خصوصا المعاصرون منهم، فهؤلاء لا شك أن شهادتهم تكون أبلغ. بيد أن الذين كتبوا عنه قبل ذلك ما كتبوا، لا تخلوا كتاباتهم أيضا من شهادات حق على كل حال.

4) شهادة قاطعــــــة:

فلنترك أحد المغاربة الشرفاء، يتحدث من منبر رسمي، من الأكاديمية المغربية في الندوة التي أقيمت حول حركات المقاومة ضد الغزو الاستعماري خلال القرن 19، مقاومة الشيخ بوعمامة في المصادر المغربية، لنترك:
الدكتور الفاضل عبد الهادي التازي يتحدث في عرضه الموضوعي الشيق حيث يقول:
" يحتل المجاهد بوعمامة مكانة ملحوظة في المصادر التاريخية المغربية المعاصرة، المطبوعة منها والمكتوبة، وخصوصا تلك التي اهتمت بدراسة مراحل التدخل الأجنبي للمغرب، وحركات المقاومة التي تصدت له.
لقد فوجئت بما تكتنزه المكتبات الوطنية المغربية من مؤلفات ودراسات عن المجاهد بوعمامة والتي ألفها العديد من المؤرخين والجغرافيين والأطباء والعسكريين ورجال الأعمال والسياسيين والدبلوماسيين الأجانب واصفين إياه تارة بالثائر، وتارة بالفتان ومجموعته قطاع الطرق، وتارة أخرى بالفاناتيك: أي الزعيم الديني المتعصب. إن هذه النعوت ألفناها في كتابات المؤرخين الاستعماريين وغيرهم من الصحفيين والسياسيين والدبلوماسيين ذوي النزعة الاستعمارية، فإلى البارحة فقط كانت المقاومة المغربية ورجال جيش التحرير الجزائري تصفهم نفس الاتجاهات بالإرهابيين وجماعات قطاع الطرق، والخارجين عن القانون، كما أن إسرائيل اليوم تعتبر الثوار الفلسطينيين مجرمين خونة.
وبما أن نوع ونوعية هذه الكتابات كثيرة، فقد تركتها جانبا اقتناعا مني بأن الزملاء الباحثين الجزائريين سيولونها عناية خاصة ويتعاملون معها بما يفرضه الحس الوطني.
لعل هذه الأسباب كلها هي التي حدت بي إلى البحث عن مساهمة تكون في نظري أكثر إيجابية للتعريف بهذا المجاهد الذي كانت لانتفاضته الشعبية ضد الوجود الفرنسي في الجزائر، وضد زحف الجيوش الفرنسية نحو الحدود الشرقية، انعكاسات سياسة في المغرب..."

وبعد ما يحدد قائمة المراجع التي اعتمد عليها في عرضه يقول:
" هذه المصادر التاريخية المخطوطة منها والمطبوعة، تجيب على الأسئلة التي طرحتها الورقة التوجيهية التي تقدمت بها اللجنة المنظمة لهذه الندوة التاريخية المتعلقة بحركات المقاومة ضد الغزو الاستعماري خلال القرن التاسع عشر، وفي طليعتها حركة أبي عمامة التي اندلعت بالجنوب الشرقي الجزائري سنة 1881 م." ويضيف قائلا:
" فما هي الصورة التي تعطينا هذه المصادر عن المجاهد أبي عمامة وعن حركته الجهادية، أو ما هي الصورة التي نأخذها عنه من خلالها. فهناك أولا وقبل كل شيء الرجل وحركته الجهادية، ثم مدى هذه الحركة وأبعادها السياسية في المغرب، وأخيرا علاقة بوعمامة بالجيلالي الزرهوني بوحمارة لأن هذه العلاقة هي التي جعلت المجاهد بوعمامة يحتل مكانة ملحوظة في هذه المصادر بل وفي التاريخ المغربي المعاصر..."
وأثناء تطرقه للنقطة الثانية، وبعد سرده لعدد من الثورات التي قامت بالجزائر يقول:

" إن ثورة أبي عمامة البوشيخي امتداد لهذه الثورات وفصيلة من فصائلها التي انطلقت من نفس العقيدة وتستهدف تحقيق نفس الأهداف الرامية أساسا إلى وقف الزحف الاستعماري داخل التراب الوطني والتصدي لمسيرته التوسعية وضرب مصالحه، وعرقلة مخططاته الاستغلالية."
وبعد أن يتطرق لسرد مجموعة من الرحلات الاستكشافية والتنصيرية التي قام بها الاستعمار يعود ليقول:
" لقد وجه بوعمامة رسائل وبعث برسله إلى كافة القبائل المغربية والجزائرية يناديها بالجهاد وإعلاء كلمة الحق والوقوف في وجه التوسع النصراني وجيوشه الغازية، وسرعان ما لقي نداؤه صدى حسنا لدى القبائل الجزائرية والمغربية. ومما يثبت ذلك صدى هذه الحركات داخل المغرب. فمنذ هزيمة الجيوش المغربية بمعركة إيسلي ووقوف الجيوش الفرنسية على عتبة المغرب، واتفاقية لالة مغنية التي أبرمها المغرب مع فرنسا، وبوادر يقظة تضامنية مع المجاهدين الجزائريين تتبلور داخل المغرب، وخصوصا في صفوف العلماء والفقهاء وشيوخ الطرق التي لها امتدادات روحية في الجزائر. ففي رسالة أحد هؤلاء الفقهاء نجده يطالب المغاربة بضرورة تنظيم الجيش المغربي والاستعداد للجهاد للوقوف في وجه التوسع الثم يضيف بعد ذلك مع إشارته لفتوى لعالم مغربي آخر قال فيها:

"...(إذا نزل عدو الدين بأرض الإسلام أو قريبا منها مريدا الدخول إليها فإن الجهاد فرض عين على أهل ذلك البلد وعلى إمامهم، شيوخا وشبانا، أحرارا وعبيدا...)، من هذه المنطلقات الدينية، كانت القبائل المغربية والجزائرية التي لم تكن تقيم للحدود وزنا، لأن دار الإسلام لا حدود لها، تتعاون في ما بينها لتصد الغزو النصراني وتقاتل جيوشه الغازية. ولما كانت أهداف الاستعمار الفرنسي واضحة، ومخططاته التوسعية مكشوفة، فإن الحركات الجهادية، سواء انطلقت من داخل الجزائر أو من الحدود الشرقية المغربية، تعرقل زحفه وتوقف نشاطه في كل الميادين. إن التضامن الجهادي بين القبائل المغربية والمجاهدين الجزائريين لعب دورا أساسيا في تأجيل الاحتلال الكلي للبلدين، واستغلال خيراتها بفضل المقاومة التي أبداها السكان في وجه الغزو الاستعماري، هذه المقاومة التي أخذت أبعادا عميقة داخل المغرب، خصوصا في المرحلة الثانية من كفاح المجاهد أبي عمامة عندما لجأ إلى المغرب وأخذ يوجه من هناك كفاحه. وقد استجاب إلى دعوته سكان بعض القبائل الصحراوية المجاورة لإقليم تافلالت وفي طليعتهم أحد القادة الفلاليين محمد العربي بن محمد الهاشمي العلوي المدغري.."
وبعد ما تحدث عن المشاكل التي سببتها تلك الحركات للمخزن المغربي مع الاستعمار الفرنسي، وعن ثورة بوحمارة يضيف قائلا:
" ونظرا لما كان للمجاهد بوعمامة من نفوذ، وجه رسالة إلى السلطان مولاي الحسن يطالبه فيها بمؤازرته وإمداده بالمال والسلاح للوقوف في وجه الزحف الاستعماري" ويورد رد الحجوي بقوله(ولكن السلطان كان أذكى من أن يقع في حيالته ويغتر بخزعبلاته لأنه أعرف بالوضع الدولي فلم يلتفت إليه.) ويضيف في مكان لاحق: " لعل هذه التطورات وما خلفته من ردود فعل مختلفة داخل المغرب وعلى الحدود الشرقية، هي التي جعلت السلطان عبد العزيز يكتب إلى أبي عمامة يدعوه إلى مغادرة الحدود الشرقية ويغريه بتولي المناصب والتمتع بالامتيازات السخية كما فعل مولاي الحسن مع رؤساء زاوية سيدي الشيخ حينما دعاهم إلى مكناس. كما كتب مولاي عبد العزيز إلى قبائل الناحية يدعوهم إلى عدم التعامل مع أبي عمامة..."

ثم يأتي إلى الخلاصة ليقول:
"من الشيخ أبي عمامة المجاهد والمقاوم والثائر مع مقاوميه الأحرار، إلى الفتان والمسخر والمتعامل..
هذا التسلسل في الصفات والنعوت التي تضمنتها المصادر المغربية التي تناولناها لدراسة الحركة الجهادية البوعمامية، نجد ما يبرره ويفسره من خلال مواقف المجاهد أبي عمامة عبر مختلف مراحله الجهادية من جهة، ومن جهة أخرى من خلال علاقاته بالمخزن المغربي وعلاقات المخزن المغربي بالسلطات الفرنسية الاستعمارية أو تنافس الدول الأوروبية على المغرب، كما يفسر من جهة ثالثة بظهور حركة أبي حمارة وتعاونه العملي والفعلي مع أبي عمامة والطيب ابنه ومحيي الدين بن عبد القادر الجزائري.
ولعل إلقاء القبض على ابنه الطيب ورميه في السجن بفاس، وعدم استجابة مولاي الحسن لطلب أبي عمامة المتعلق بمده بالسلاح والعتاد لأسباب سياسية ودولية، عوامل من شأنها أن تعمق الثقة التي كانت موجودة بين المجاهد الثائر في وجه الزحف الأجنبي وقواته الاستعمارية، وبين مخزن يحاول بكل الوسائل الممكنة المحافظة على الأمن على حدود بلاده الشرقية وعدم إعطاء فرصة للاستعمار للتوغل داخل البلاد بحجة مطاردة الثوار المجاهدين."
نص في غاية الوضوح من منبر الأكاديمية المغربية، صحح الصورة التي سبق وأن رسمها كتاب مغاربة سابقون، لهم أعذارهم الخاصة، لكن التاريخ أبى إلا أن يظهر الحقيقة بادية للعيان. فالشيخ بوعمامة كان قد أعلن الجهاد للجهاد ليس غير، وما كان له أن يتنازل أو يخضع للمساومات حتى عندما ألقي القبض على ابنه سيدي الحاج الطيب في الظروف الغامضة التي تنتظر بزوغ فجرها (سنرى رده على هذه القضية). هذه الصورة التي رسمها الدكتور الفاضل عبد الهادي التازي، والذي ما فتئ يردد " المجاهد بوعمامة " كلما ذكر اسمه، هي ذاتها التي يساهم في رسمها اليوم كتاب نزهاء مغاربة آخرون كالأستاذين الكريمين زكي مبارك وأحمد العماري وغيرهما، كل حسب ما وصل إليه مبلغه من العلم.

ثانيا العلاقات بين الشيخ وبين المخزن المغربـــي:

1) موقف الشيخ من المخــــــــــزن المغربــــــي:

كان موقف الشيخ بوعمامة مع المخزن المغربي يتسم في الغالب بالتفاهم والتعاون والتقارب، كما سنرى في الوثائق والشهادات اللاحقة، وإن كانت بعض الظروف الاستثنائية تعكر صفو الجو أحيانا. وليس في ذلك من غرابة، ما دام العدو يتربص بالطرفين معا ويحبك المكايد المتنوعة للفتك بالجميع. ومعلوم أن الشيخ بوعمامة كان يوجد في خضم صراع مستمر بين المخزن المغربي الذي كان يدافع في موقف استضعاف، يحاول تفادي الاحتكاك والمواجهة مع القوات الفرنسية، وبين سلطات الاستعمار التي كان نهمها شديدا في الاستيلاء على خيرات المسلمين ورقابهم، وكان همها الأساسي كيف تستولي تباعا على أراضي المسلمين. ومن هنا كانت مواقف الطرفين تتلون مع الشيخ حسب الظروف المصلحية السياسية لكل منهما. فالمخزن المغربي لم يكن خافيا عليه أن موقف الشيخ كان صحيحا وأنه قد رفع راية الجهاد من أجل الجهاد، وأنه ما كان ليلين أو يستكين، ولكن المخزن كان مضطرا أن يتعامل معه حسب الظروف والملابسات التي تجري في الميدان.
أما السلطات الفرنسية فكانت تغتنم جميع الفرص لتمارس الضغوط على المخزن المغربي لتجعل مواقفه أمام الناس تبدو عدائية مع الشيخ لسحب الشرعية على ثورته، لأن هذا الأخير كان يقف حجر عثرة أمام مخططاتها.
ولكي تتوضح هذه الحقيقة، نتناول شهادات تؤكد أن ولاء الشيخ بوعمامة لسلاطين المغرب كان قائما باستمرار.
نتناول بداية شهادة قيمة من أحد الذين كتبوا عنه ما كتبوا لظروف خاصة، لنأخذ منهم مثلا:
ـ الدكتور الفاضل إسماعيلي مولاي عبد الحميد، كتاب وجدة وأنجاد، ج/ 1 يقول في ص 226ما يلي:
" ونستشف من العبارات الأخيرة، وبدون عناء ولا تأويل، أن بوعمامة كان يعتبر نفسه مغربيا وتحت إمرة السلطان مولاي الحسن الأول إذ جدد مبايعته لأمير المؤمنين في عدة مناسبات، بل التمس من الممثل الدبلوماسي الفرنسي بطنجة، لينارس، أن يتوسط له لدى الحكومة المغربية ويسلم لها رسالة مؤرخة في يوم الأحد 20 رمضان 1312/17 مارس 1895 تؤكد ولاءه للدولة الشريفة وانتماءه للأمة المغربية، وذلك في مطلع عهد الملك المولى عبد العزيز."
ويزكي نفس الحقيقة، مع سرد نص الرسالة التي بعث بها الشيخ بوعمامة للسلطان مولاي عبد العزيز:
ـ الأستاذ الفاضل عبد الحميد زوزو في هامش الجزء الثاني من كتابه ثورة بوعمامة ص 25 إذ يقول:
" إن خادمكم المتواضع يلتمس حمايتكم ويترجى عطفكم في الحاضر كما في السابق ليعم كامل المتوجهين إلى بلدكم الكريم ( كما يترجى) معاملتهم بكل تقدير، وتوصية جميع من هو تحت أمركم بهم خيرا في أرجاء المملكة. ويرغب في تجديد مع جلالتكم روابط المحبة القائمة منذ عهد سيدنا مولاي الحسن رحمه الله، وذلك لأننا لكم وليس لدينا ملجأ إلا عندكم، كما يرجوا أن توصوا بنا القوة المجاورة لتعاملنا بالتقدير المتناسب للعلاقات بين الدولتين."
( نقلا عن أرشيف وزارة الحربية الفرنسية 30/ح/79).

أما بخصوص موقفه الصريح من الجهاد ضد الفرنسيين فيقول الأستاذ:
أحمد العماري في ص 83 من كتاب توات:
" ... رجع سنة 1882 إلى دلدول، وهي واحة في قورارة الجنوبية وسط توات حيث أسس زاوية هناك، وبدأ ينظم دروسه الدينية ليكتسب بها مزيدا من الأنصار ويحرض السكان على اللجوء إلى فاس لمطالبة السلطان المغربي بإرسال قوة كافية لحماية الأهالي وصد الاعتداءات الفرنسية، وقد اعتبرت بعض المصادر الفرنسية أن بوعمامة هو الذي دفع السلطان المغربي الحسن الأول إلى التحرك سياسيا ضد فرنسا، وإلى العمل على تدعيم النفوذ المغربي عسكريا وإداريا بتوات..."

2) موقف المخزن المغربي من الشيـــــــــــــــــــخ:

عرفنا أن المخزن المغربي كان في غاية الحرج بسبب الظروف التي رأينا. وكان طبيعيا أن يتلون موقفه حسب الظروف التي كانت تتغير باستمرار، بحكم درايته بما كان يحاك حوله، سواء من قبل الجار العدو، أو من قبل الأطماع الدولية التي كانت تتنافس عليه، أو بسبب الغليان الشعبي الداخلي الذي كان رافضا للتدخل الأجنبي في البلاد. ومن هنا، كان يضطر أحيانا للوقوف مع الشيخ مواقف سلبية لتفادي ما هو أخطر حتى وإن كان على يقين من سلامة مواقف الشيخ الجهادية. و لا يعني البتة وقوف المخزن السلبي مع الشيخ أن العداء كان ساريا بينهما، إذ غالبا ما كان المخزن المغربي يقف مواقف في غاية الوضوح تبين مدى ارتباطه بالشيخ وحسن نظرته له، بل وتؤكد الخدمات الجليلة التي كان يسديها الشيخ للمخزن وإن في خفاء. تعالوا معنا نأخذ شهادات تؤكد هذه الحقائق، أي مدى العلاقات المتبادلة بين المخزن المغربي والشيخ بوعمامة، ومدى الخدمات التي كان يقوم بها هذا الأخير لفائدة السلطات المخزنية باعتباره أحد رعاياها:
يقول الأستاذ زوزو في ص 19:
" فبينما كانت الحكومة الفرنسية تتقرب منه لتجد فيه المساعدة على تنفيذ سياستها التوسعية في الصحراء كما سبق القول، كان القصر الملكي المغربي يريده مدافعا على هذه المنطقة ضد الفرنسيين باسمه. ويبدو أن بوعمامة قد اختار بعد تردد اختبارا لمقاصد السلطتين الفرنسية والعلوية الوقوف إلى جانب هذه الأخيرة بصفتها دولة إسلامية." ويؤكد د. خليفي نفس الشيء في ص: 111:
" وقد راسل الشيخ بوعمامة مولاي الحسن سلطان المغرب ليمده بالمال والسلاح للوقوف في وجه الزحف الاستعماري، لكن مولاي الحسن رفض ذلك خوفا من الضغط الفرنسي وتجنبا للمشاكل. وهذا الموقف الملكي لا يعبر عن الموقف الشعبي الذي كان مؤيدا لحركة الشيخ ولغيره من محاربي الجزائر لمواجهة الاستعمار. وقد دعا بعض الفقهاء المغاربة الناس إلى الوقوف ضد عدو الدين الذي قارب البلاد المغربية، واستجاب لذلك العديد من القبائل المغربية التي لعبت دورا حاسما في تأجيل الاحتلال الكلي للبلدين واستغلال خيراتهما. أما السلطان المغربي فقد كان مقيدا باتفاقية لالة مغنية سنة 1845 الخاصة بتأمين الحدود، وحفاظا على ما التزم به مع جيرانه الفرنسيين"
( نقلا عن الأستاذ زكي مبارك في عرضه تحت عنوان: المجاهد بوعمامة من خلال بعض المصادر المغربية)."
ولتأكيد هذه المعلومات من وجه آخر، يعود:
الأستاذ عبد الحميد زوزو ليقول:
" وبناء عليه، يشير عليه سلطان المغرب بإنشاء مراكز في نخيلة عند مدخل العرق وفي الحقاق وعند مدخل اوقلات." ويعزو هذه التقارير إلى أرشيف وزارة الحربية 30/ح/79 تقارير بتواريخ 19/2/1896 و 15/3/1896 و 22/4/1896. كما يعطي أسمي الزائرين اللذين أبلغاه الرسائل: الحاج اسماعيل والحاج عبد الكريم." أما الأستاذ عكاشة برحاب فعلى الرغم من حدة موقفه من الشيخ بوعمامة فهاهو يذكر في كتابه ص108 إحدى المهمات التي كان يقوم بها الشيخ لفائدة المخزن المغربي قائلا: " ...بل تجاوز الأمر ذلك إبان اجتياح الجيوش الفرنسية واحات توات (1899ـ1900)، فدعي الشيخ بوعمامة إلى نقل مراسلات السلطان إلى أهل عين صالح بواسطة أتباعه ومريديه، واستفاد المغرب أيضا من الأخبار التي كان يبعث بها بوعمامة بانتظام إلى عامل وجدة وإلى الطريس. فكثر الثناء عليه والتنويه بصدقه وإخلاصه وصار يدعى محب الجميع سيدي بوعمامة."

وكانت قضية ثورة الشيخ بوعمامة تشغل بال المخزن المغربي كثيرا نظرا للضغوط الفرنسية التي كانت تمارس عليه في الموضوع. ويبدو أن السلطات الفرنسية كانت تلعب من ضمن ما تلعب عليه، على ورقة الجنسية، كما فعلت لجلب نجله الحاج الطيب من السجن المغربي. وفي هذا الصدد يقول:
أ.أحمد العماري في كتابه توات في مشروع التوسع الفرنسي بالمغرب ص، 68:
" ونظرا لكون السلطان الحسن الأول كان يريد أن يقطع على الفرنسيين جميع الأسباب التي يمكن أن ينتحلوها للتدخل في توات، فقد كتب إلى بوعمامة رسالة يؤكد له فيها بإنه يقبل وجوده في توات، وأنه مستعد لحمايته، ولكن عليه أن يلتزم الهدوء، وأن لا يقوم بأية ثورة أو حرب ضد الفرنسيين حتى لا يجدوا سبيلا للتدخل في التراب المغربي بتوات..." أما بخصوص الجنسية فيقول:
د. خليفي في الصفحة 151:
" وتلقى بوعمامة رسالة من محمد الجباص يطلب منه فيها اختيار الجنسيتين المغربية أو الجزائرية ومغادرة فقيق، كما بعث الجباص إلى القبائل الحدودية يهددها بإخضاعها بمساعدة القوات الفرنسية وذلك في مطلع سنة 1902. وقد رد الشيخ على ذلك بمراسلة إلى قاضي وجدة يخبره فيها بسياسة الجباص المعادية للإسلام والمسلمين." ولعل أهم ما ذكر في هذه النقطة بالذات الشهادة القيمة التي جاء بها:
الأستاذ أحمد مزيان في كتابه: فجيج مساهمة في دراسة المجتمع ص 450 حيث يقول:
" أمام هذا الزحف المتواصل للنفوذ الفرنسي في الأراضي المغربية وما صاحبه من تذمر وشكاوى من طرف سكان المنطقة، اضطر المخزن إلى محاولة القيام بتظاهرة عسكرية انطلاقا من تافلالت انتشرت أصداؤها بفجيج وباقي المنطقة، واهتمت بها السلطات العسكرية الفرنسية في المنطقة وصارت تترصد أخبارها وتعد لمواجهتها مع المسئولين بباريز، وهذا ما تخبرنا به الوثائق الفرنسية. فمن ذلك رسالة الجنرال (لارشي) قائد الفيلق 19 إلى وزير الحربية، اعتمادا على الأخبار التي نقلها إليه قائد العمور وأكدها رئيس مكتب جنين بورزك الفرنسي. ومفاد هذه الأخبار أن القائد العمراني رئيس الطابور المخزني بتافلالت ومولاي رشيد عامل هذه المنطقة، قد بعثا برسائل إلى بوعمامة يطلبان منه جمع حوالي 1200 جمل (ألف ومائتين) لحمل مؤونة الطابور ومعداته من تافلالت إلى وادي درمل ، للاستيلاء عليه وعلى واحة النخيلة بوادي زوزفانة شرق المورة بحوالي 42 كلم، وعلى نقطة حاسي مزو بوادي الناموس. وتضيف الرسالة ( من جهة أخرى تروج الأخبار بأن قائد فجيج الذي يوجد بوجدة منذ مدة سيرجع بعد أيام قليلة ومعه مفرزة مخزنية توجه لاحتلال النقطة المائية في ولكاك)" رسالة مؤرخة 14 غشت 1899 A.M.G.P/IH.C: 1024

3) موقف الشيخ من الروقــــــي:

وأخيرا، إذا كنا قد رأينا وجهة نظر الدكتور عبد الهادي التازي في خاتمة عرضه السالف الذكرعن الأسباب الممكنة التي حدت بالشيخ أن يتحالف مؤقتا مع الروقي، فلا بد إن نشير هنا إلى معلومة قيمة أوردها:
الأستاذ مولاي محمد في عرضه بمناسبة ذكرى مرور قرن على ثورة الشيخ بوعمامة في ص 115:
"... وفي بداية فبراير (1905) وصل إلى وجدة أحد أعمام السلطان مصطفى بن عبد الرحمان بهدف تنشيط مفاوضات مع بوعمامة، وكلف الأمير عبد المالك الجزائري للتوسط بينهما لتقريب وجهات النظر، إلا أن بوعمامة اشترط على المبعوث السلطاني إعلان الجهاد ضد الفرنسيين مقابل التخلي نهائيا عن الروقي. ولا شك أن المغاربة لم يستجيبوا لشرطه، لأنهم كانوا يخافون من تكرار هزيمة إيسلي."
وليس بعيدا أن يكون موقف الشيخ بوعمامة هذا هو الذي دفع بالمخزن المغربي إلى نشر دعاية إعلان الجهاد وإشاعة الحصول على أسلحة ألمانية حيث يضيف الكاتب في نفس الصفحة:
" وفي بداية أبريل تلقى عامل وجدة وفجيج الأوامر لتوقيف الاتصالات والعلاقات مع الفرنسيين، وطلب من عامل تافلالت الاستعداد للجهاد، وأشاع المخزن بين قبائل الحدود توارد الأسلحة الألمانية على البلاد وتحسين العلاقات بين الروقي وفرنسيي الجزائر."
(ويعزو هذه المعلومات إلى تقارير واردة بمجلة قضايا ديبلوماسية واستعمارية لشهر مارس 1913، والمجلة الاجتماعية للجغرافية وعلوم الآثار الوهرانية بتاريخ 16/10/1909.) ثالثا العلاقات بين الشيخ بوعمامة وسلطات الاستعمار:

1) موقف السلطات الفرنسية من الشيـــــــــخ:

لا يخفى على كل عاقل حصيف المواقف المتعددة لسلطات الاستعمار تجاه الشيخ بوعمامة. فهي:
ـ من جهة كانت تريد استغلاله كورقة ضغط على المخزن المغربي لتحقق أقصى ما يمكن تحقيقه. ومن هنا كانت غالبا ما تسعى للتودد إليه لتستميله، الأمر الذي يفسر محاولات التفاوض السرية المتكررة معه، كما يفسر محاولة منحه الأمان.
ـ ومن جهة ثانية كانت تريد تنحيته لكونه يمثل العائق الأساسي أمام مخططاتها الاستعمارية التي كانت مهيأة منذ مدة، أي الاستيلاء على الأراضي الصحراوية المغربية، كتوات وتيديكلت.
ـ ومن جهة ثالثة كانت تريد التشهير به وبثورته التي أعلنها باسم الجهاد كي تقلل من قيمة الجهاد والطرق الصوفية أمام المواطنين، وبالتالي تقلل من قيمة الإسلام بالجملة ليقينها بقوة جانبه الروحي.
ونذكر هنا بعض الدلائل في هذا الاتجاه، منها ما أورده:
د. خليفي في ص 141 حول موقف بعض الجنرالات منه:
" ويقول عنه الجنرال سوزي قائد الفيلق التاسع عشر في رسالة إلى وزير الحربية الفرنسية بتاريخ 27/5/1900 ما يلي:
إنه ( أي الشيخ بوعمامة) ينتظر الظروف الملائمة للثورة مرة أخرى، وأنه وحسب ما نقله أحد الجواسيس العاملين لصالح الفرنسيين من فقيق، حيث بعث برسالتين للسلطان عبد العزيز وكبير وزرائه على يد قائد زناقة محمد بن مرزوق جاء في مضمونها ما يلي: لقد أعطاني الفرنسيون الأمان، والهدف منه أن أساعدهم على مرور فرقهم العسكرية في وادي زوزفانة، إنهم لا يثقون بي، كما لا أثق فيهم بدوري، ولو كنت أعلم أنني سأكون مدعوما من طرفكم لقمت بحركة جديدة."
( نقلا عن من أحمد العماري في كتابه مشكلة الحدود الشرقية ). وبعد أن تحدث عن اتفاقية 20/7/1901 المتعلقة بالحدود الشرقية على لسان الفرنسيين أنفسهم: يضيف في الصفحة 149

" ويذكر الفرنسيون أن الشيء الوحيد الذي أفادهم من هذه الاتفاقية هو إبعاد خطر بوعمامة الذي هاجر إلى فقيق، حيث أن وجوده هناك كون لنا القلق في كل حين، إذ أن كل محيطه هو السبب في كل الضربات التي أصابتنا. (نقلا عن مجلة القضايا الصحراوية لسنة 1905. ) " أما ليوطي في رسائله الشهيرة من الجنوب الوهراني فكان في غاية الصراحة إذ يقول في إحداها: " ما يزال بوعمامة هو العقبة الكبرى، وتتجه جهودي كلها إلى عزله ومحاصرته ووضعه تحت رحمتنا. فهل أفلح في ذلك كله؟ ولما أخفقنا في القبض عليه مدة 22 سنة، فإني لا أزعم إمكان القضاء عليه خلال ستة أشهر".
وكان أكثر دقة في تقريره المؤرخ يوم 14/11/1903 حيث يقول:
" يبدو أن بوعمامة هو الذي يجب أن نعزو إليه جميع همومنا وما نعانيه دائما من مضايقات، فموقفه موقف واضح العداء منذ مدة طويلة. إننا واجدون أثره في كل مكان، في غارة تاغيت، وفي قضية المنقار، وحتى في الجيوش التي تضايقنا في عين الصفراء، ويرى أنصارنا جميعا أنه هو العدو الألد، وأن الزوابع والفتن والاضطرابات هو الذي يقف رواءها جميعا، وهو الذي يجب أن نقضي عليه ونتخلص منه. وتتجه رغبتي في القيام قريبا في مهاجمته، وانتهاز أول فرصة لإطلاق كل رجال القوم المتوافرين في حميان والترافي والعمور مدعومين من الخلف ببعض مجموعات من القوات النظامية الباقية في ترابنا غير المنازع فيه قصد القبض عليه، وهو ما لم أعد مستيقنا من إمكان تحقيقه، أو تشتيت زاويته تشتيتا كليا على الأقل.
وبعد مضي 4 أشهر أخرى يعود ليقول:
" يجب ألا يغرب على البال، لا سيما وأن هناك بوعمامة، العدو الدائم ومنطلق كل الاعتداءات، إنه عقدة القضية، وللتخلص منه يجب أن تتجه جميع جهودي، وإذا ما سقط هو، سقطت معه تقريبا جميع المتاعب التي نعانيها على حدودنا في الجنوب الوهراني."
وفي النهاية أعلن عجزه صراحة قائلا أن الحل الوحيد هو انتظار وفاة الشيخ بوعمامة لأنه شيخ كبير السن.
( انظر رسائل ليوطي وكتاب مآثر قائد...).

2) رفض الشيخ التفاوض مع سلطات الاستعمــار:

كان الشيخ على بينة تامة من نوايا ومخططات الاستعمار، ولذلك كان يرى أن مجرد التفاوض معه يعتبر وصمة عار على جبينه يسجلها عليه التاريخ، ولذلك كان موقفه في هذا الصدد في غاية الوضوح والصرامة.
يتبين ذلك من:
ما أورده عبد الحميد زوزو بقوله:
" لكن لافريير( هو الحاكم العام آنذاك) فوجئ برفض بوعمامة المقابلة معه كان قد اقترحها عليه أثناء وجوده بجنان بورزق بمناسبة تدشينه لمحطة حديدية هناك في جانفيي1900، وما من شك في أن لهذا الرفض معنى سياسيا بعيدا يتلخص في رفض بوعمامة لسياسة التوسع الفرنسية التي ثار عليها سنة 1881.
ثم كانت هناك محاولة أخرى بتاريخ 25 سبتمبر 1901 عبر فيها بعض القادة الفرنسيين لسي الطيب بوعمامة عن رغبتهم في مقابلة والده بمدينة ديفيريي لكنها لم تتم لتصميم بوعمامة على أن تكون فجيج مكانا للقاء."
وحينما حاول الفرنسيون في وقت طوماسين أن يتفاوضوا مع الشيخ سرا وانتدبوا لهذا الغرض شخصا من أذنابهم يسمى أبي حفص، كان جواب الشيخ حاسما كما ورد في كتاب: الشيخ بوعمامة مآثر قائد وتضحيات ثائر ص 16:
" إذا أراد الفرنسيون السلام فما عليهم إلا أن يغادروا هذه الأرض التي ليست لهم. "
وكان الجواب أوقع حينما أشار المفاوض إلى إمكانية إعدام ابنه السيد الطيب الذي كان معتقلا عندهم بقوله:
" فليقتلوه إن شاءوا، ولن يكون دمه المسفوح بالذي يثبط من عزيمتي أو يوهن إرادتي، بل سيكون حافزا آخر على مواصلة الكفاح ورفع راية الشرف عاليا." وفي الصفحة 18 إشارة إلى أن ثورة الشيخ بوعمامة أخرت موعد احتلال الجنوب الوهراني بمدة عشرين سنة

3) معاملة الشيخ للأســـــــــــــــــرى:

وفي صدد معاملة الشيخ بوعمامة وتفقده للأسرى، ومنهم أسرى الإسبان الذين كانوا يعملون في الشركة الفرنسية الجزائرية للحلفة وتم إلقاء القبض عليهم أثناء رحلة الشيخ الشهيرة بجيوشه إلى الشمال الجزائري باعتبارهم غزاة مغتصبين لأراضي وخيرات المسلمين، ورد في كتاب:
الشيخ بوعمامة مآثر قائد وتضحيات ثائر خطابه التالي لهم في ص 12:
" لو أنكم جئتمونا رجالا مسالمين لشاطرناكم طعامنا لأننا نحترم دينكم كما لنا ديننا".
وقد شاركهم فعلا في طعامه قبل أن يطلق سراحهم ليضرب المثال الرائع في الحلم والصفح رغم أنهم كانوا معتدين.
وقد كان عدد الأسرى يصل أحيانا إللا المئات في يد الشيخ، فها هي جريدة التايمز اللندنية في عددها ليوم 11/5/1881 تقول في ص5:
" إنه لم يحدث قبل بوعمامة وأن زعيما ثائرا يستولي على ثلاثمائة أسير فرنسي وألف غرارة من الشعير والقمح وغيرها من الغنائم المتنوعة."
(نقلا عن أبي القاسم سعد الله الحركة الوطبية الجزائرية ج2 ص:656 )

4) التدعيم الدولي لموقف الشيـــــــــــــــــــخ:

وبما أن، ما كان لله دام واتصل، فإن موقف الشيخ بوعمامة كان يتدعم دوليا وإقليميا رغم أنف السلطات الفرنسية التي كان يغيضها ذلك إلى أبعد حدود. ونورد هنا بعض الشهادات التي تبين هذه الحقيقة الساطعة. من ذلك:
ما أورده د. خليفي في ص 131:
" وفي سنة1892 سعت كل من السلطات الفرنسية والمغربية إلى كسب ود الشيخ بوعمامة نظرا للنفوذ الذي أصبح يتميز به في المنطقة الصحراوية. ففي هذه السنة وصلته رسالة من القصر الملكي بالمغرب تعترف بمكانته وتطلب منه الانتقال إلى فجيج للاقتراب من زاويته الأولى في مغرار التحتاني، وكان هدف السلطان من ذلك هو الحفاظ على هذه المنطقة تحت إشرافه بمساعدة الشيخ بوعمامة. كما توصل الشيخ في السنة نفسها برسالة من المفوضية الفرنسية بطنجة تحمل وثيقة الأمان من الحاكم العام الفرنسي كامبون (91-1897)، ولكنها لا تترك له الحرية في ذلك، بل تطلب منه أن يكون تحت أوامر الحاكم العام الذي سيختار المكان الذي يريده له للاستقرار فيه. وهي بذلك تتقرب منه لتجد منه المساعدة على تنفيذ سياستها التوسعية في الصحراء." ثم يضيف في الصفحة 138:
" لقد تدعمت قوات الشيخ خلال هذه العودة بانضمام عدد من القبائل إلى حرمته والتي كانت مستعدة للوقوف معه إلى أبعد الحدود، بحيث أصبحت له قوة بشرية وحربية ونفوذ روحي يشابه الوضع الذي كان سائدا سنة 1881. وكان يكفي أن يشير إليهم لينطلقوا نحو الجهاد في سبيل الأرض والدين. ولكن الشيخ لم يتعجل الأمور. وفي هذه السنة نفسها (1896) دعم موقف الشيخ دوليا بوصول مبعوثين إليه من مختلف السلطات العربية والإسلامية يحملون إليه رسائل الاعتراف بمشيخته في الصحراء كخليفة لأبي بكر الصديق، من السلطان العثماني ومن السلطان المغربي ومن حاكم تافلالت. وقد اقترح عليه السلطان المغربي إنشاء مراكز في نخيلة عند مدخل العرق الكبير وفي الحقاق وعند مدخل العقلات. أما السلطات الفرنسية فقد أقلقها هذه الوضع بسبب ازدياد نفوذ الشيخ والخطر الذي يمثله هذا التواجد بالقرب من المراكز الفرنسية وتهديده لسياسة التوغل نحو الجنوب، فعملت على الضغط على السلطان المغربي للتخلص منه." (نقلا عن عبد الحميد زوزو * تقرير الجنرال بواتار قائد منطقة عين الصفراء إلى الحاكم العام في 14/4/1896.)

أما مكانة الشيخ العسكرية والسياسية والروحية فيتطرق لها:
الأستاذ إبراهيم مياسي في كتابه دور ثورة الشيخ بوعمامة في ص 127 قائلا:
" لا شك أن هذه القوة لا بأس بها في ذلك الوقت زادت من دعم الموقف العسكري للشيخ بوعمامة والذي عزز موقفه السياسي أيضا بزيارة الوفود الرسمية له، كزيارة شخصين له حاملين إليه رسالة من سلطان القسطنطينية وحامي الحرمين الشريفين، ومن سلطان المغرب مولاي عبد العزيز، ومن حاكم تافلالت مولاي الرشيد، يعبرون له فيها عن اعتبارهم له خلفا للخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، واعترافهم به كشيخ شيوخ المنطقة الصحراوية." وعلى الرغم من موقفه المعروف من الشيخ بوعمامة جاء،
الأستاذ عكاشة برحاب ليأكد قضية تدعيم موقف الشيخ بتفصيل في الصفتين إذ يقول ص 111:
" ومن جانبه حاول السلطان استمالة الشيخ بوعمامة في منتصف سنة 1904 بعد أن تظاهر الشيخ بحسن النية وادعى أنه ليس عدوا له، فأوفد له السلطان الحاج محمد بن عبد الغني شيخ الزاوية القادرية بوجدة، غير أن هذه المحاولة آلت إلى الفشل بعد اغتيال المبعوث المخزني. وقد حاول السلطان عبد العزيز مجددا استمالة الشيخ بوعمامة فطرق جميع الأبواب، وكان آخرها محاولة استمالة نجله الطيب..."
ويعود ليقول في ص 112:
" وفي هذا الوقت بالذات جدد السلطان اتصالاته بالشيخ بوعمامة بواسطة الأمين إدريس القماح، وجدد له ظهير الأمان وأكرمه بهدايا كثيرة، غير أن بوعمامة اشترط أن يكون اللقاء بينه وبين البعثة المغربية في مكان محايد ليضمن عودته إلى محله بكل حرية. وفي تلك الأثناء أيضا عبرت السلطات الفرنسية بالجزائر عن تذمرها بسبب إقصائها من هذه الاتصالات وعدم إشعارها بها... خصوصا بعد أن نجح السلطان في استقطاب نجل بوعمامة، فضلا عن استمالة عبد المالك بن الحاج عبد القادر الجزائري الذي كان يحارب بجانب الروقي، وظهر تفاؤل في استمالة الشيخ بوعمامة نفسه، وهو ما اخفقت السلطات الفرنسية بالجزائر في تحقيقه منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن، فوقع تسابق بين السلطات المغربية والسلطات الفرنسية بالجزائر من أجل الفوز بثقة الشيخ...."

خامسا تجديده للطريقة الشيخيـــة:

روج الفرنسيون ومن في لفهم أن الشيخ بوعمامة شق طريقة جديدة مخالفة للطريقة الشيخية طريقة جده سيدي عبد القادر بن محمد، وأعطوها اسم الطريقة الرحمانية، ولا يخفى ما وراء هذه الفرية من أهداف مقصودة أهمها صد الاتباع والمريدين عنه. ذلك أنهم كانوا على يقين أن السند الروحي للطريقة التي أعلن الجهاد باسمها هو القوة الأساسية التي كانت تكمن وراء صمود ثورة الشيخ بوعمامة.

1) تجديد الشيخ للطريــقة:

لما كان الإسلام صالحا لكل زمان ومكان، وكان التصوف، ـ الجانب الإحساني منه ـ هو لب الإسلام وجوهره، وكانت الطرق الصوفية سبلا ومسالكا لبلوغ مراتب الإحسان، وكان طبيعيا أن يطالها بعض الفتور والضمور مع مرور الزمان بسبب ضعف الهمم، وتعتريها بعض البدع والانحرافات في الممارسات، شأن الإسلام نفسه في واقع المسلمين، اقتضت مشيئة الله أن يقيض لها من عباده بين الفينة والأخرى من يجددها لتعود صافية نقية، مصداقا للحديث الشريف : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" ((14))
تجديد الطريقة إذن، هو صقلها مما يعتريها من شوائب وما يلحقها من انحرافات وما يعلق بها من مثبطات لتعود إلى أصالتها صحيحة سليمة لامعة قوية التأثير بقوة الشيخ الذي أبدعها وعلو مكانته، تطهر القلوب وتزكي النفوس وتغدي الأرواح وتهذب الأخلاق وتصحح الأفكار وتدفع بمن يسلكها إلى الحضرة الإلهية سلوكا روحيا سويا ثابتا ليترقى في معارج الإحسان.
ولما كانت الطريقة الشيخية ذاتها، كتب لها أن ترى النور في ظروف خاصة، ظروف الغزو الاستعماري للشواطئ المغاربية، خصوصا الجزائرية منها، وكان لسيدي عبد القادر بن محمد المواقف الجهادية المشهودة دفاعا عن أرض وحرمة الإسلام والمسلمين كما ورد في المناقب، اقتضت مشيئة الله أن يتم تجديدها في ظروف مشابهة، بل أكثر قساوة وشراسة، على يد الشيخ بوعمامة. وكان طبيعيا أيضا أن يقوم الشيخ بوعمامة بدوره بإعلان الجهاد تحت رايتها كما فعل جده وشيخه سيدي عبدالقادر بن محمد من قبل. وليحقق هذا التجديد، كان عليه أن يعمل على:
1 ـ تجديد الصلة مباشرة عبر الشيخ سيدي عبد القدر بن محمد إلى رسول الله إحياء للجانب الروحي،
2 ـ إعادة تنظيم الطريقة لتلميع صورتها كطريقة حية حركية جهادية معطاءة، بيضاء، نقية،
وهذا ما حدث بالفعل، فأما بخصوص:
تجديد الصلة بالشيخ سيدي عبد القادر بن محمد فنجده يأكد غير ما مرة في المخطوطات الخاصة التي بين أيدينا أنه كان شديد التعظيم لشيخه وجده سيدي عبد القادر بن محمد، مثلما كان حريصا أشد الحرص على اتباع السنة وتحري الصواب في جميع الحركات والسكنات اقتفاء للمنهاج النبوي.

أهمية الشيخ في حياة المريـــــد:

نظرا لأهمية الشيخ في حياة المريد، باعتباره يتربى على يديه ويتزكى على يديه ويترقى على يديه في معارج الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، نجد الشيخ بوعمامة يؤكد على هذه القضية في جل أقواله، خصوصا وان الظرف كان يقتضي توحيد القلوب وتكتل الجهود للقيام بواجب الجهاد. من ذلك مثلا قوله:
" ... واعلم أيها المريد أن الشيوخ فرضهم الله علينا كما فرض علينا الموت، من فعل ما أمره به الله مات شهيدا ومن أخطأ الطريق خرجت روحه على غير ملة، كذلك من كان مع الشيخ من حفظ مقاله تحصل له المزية ومن خرج من كلامه يطرد ومغضوب عليه... ، توبوا واخلصوا توبتكم واثبتوا عليها تذوقوا حلاوة التوبة بشروطها."

تسليمه للمشايخ جملــــــة:

كان الشيخ بوعمامة رصي الله عنه شديد التسليم للمشايخ جملة، أحياء وأمواتا، يتبين ذلك من أنه لما أقام بعض الوقت ببني ونيف ووقعت عليه بعض الضغوط، كان يتوسل بجده سيدي سليمان بن بوسماحة صاحب ضريح البلدة.
عتابه لنفســــــــــه: كان أحيانا يعود لنفسه، على علو مكانته، يلومها ويعاتبها عتابا شديدا من ذلك مثلا:
" يا نفسي اتقي الله وأطيعيه، واجتنبي ما نهى عنه، واجتهدي في ما أمر به، يا نفسي استحيي من الله وخافي من عذابه، وانظري هل لك رب غيره، يا نفسي ما خلقك إلا لطاعته، فاصبري لحكمه، وارضي بقضائه، ألم تعلمي أنه خلقك ولو شاء بأي شيء قهرك،...كيف تعصيه وهو فيك ناظر، إذا لم تريه فهو معك حاضر، يا دنيئة، ارجعي إلى مولاك، شريعة الله بيني وبينك يا ملعونة، اجتنبي طريق الهلاك، ما تفعليه لا يجازى به أحد غيرك، يا خسيسة المعنى، يا ويلك تطيعي الشيطان وتعصي مولاك..."
وأما بخصوص تجديد الجانب الروحي في الطريقة فقد وردت له مجموعة من المقالات والإشارات ذات المعاني الكثيرة في المطبوع المذكور نقتطف منها ما يلي:
" لا تتقرب لله إلا بالله...
..كن مع الخلق بلسان صادق ومع الله بقلب صافي، وخير الآخرة على الدنيا،ـ وخير الله على الآخرة، وخير الحق على الباطل، وكن في الدنيا كالغريب الذي ليس له أهل ولا متاع ولا بنون، واجعل نفسك أدنى الناس، ولا تبالي برزقك لا يشغلك عن الله، ولاتقل أنا...
..تشرع في الأمور كلها تسهل عليك...
..يا فلان اعلم أن العمل كالمصحف لا يمسه إلا المطهرون.((15)) وكالمسجد لا يدخله إلا المصلون، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون, واعلم يا مقدم أنت ومن تبعك، الإمام لا يحمل إلا السهو الرقيق، وكل ما لا يحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته لا تقدر المشايخ تحمله على الفقراء الزاهدين, وأما بخصوص تنظيم الطريقة والمداومة على الأذكار وتلاوة القرآن وضبط شؤون الزاوية، فقد كان في غاية الصرامة نظرا للظروف التي كانت تحيط به، أي كثرة الجواسيس وكثرة التربص والاضطرابات.

ويقول في أحد الموضع بهذا الخصوص ما يلي:
".. وقسموا بعضكم بلا تنازع في الخطرة وفي جميع الحركة في خدمة الله الذي أكرمكم بها، واجعلوا كل طائفة تكون في شغلها كيف لايكون أحد متوكل على أحد، وكل طائفة يعينوا لها يومها...والخدمة على الايام من يوم الأحد إلى يوم الأحد. والقراءة والذكر في الحركات أين ما كنتم تكون اللوحة معكم، وذكر الله لاتفتروا عليه، وسلاحكم بين أيديكم دائما موجود يعني المدفع..."
الصرامة في التسييــــــــر:
وها هو يعلن للفقراء بعض غاية الصرامة والانضباط في التصريح التالي:
"...ليست الزاوية مهمولة....، وكل من تقدم لها بسبب الطمع وليس له فيها منفعة لا ينفعه بشيء فلا يحصل له منها إلا الهلاك والمضرة الكبيرة سوى من كان ينفعها بصحته أومتاعه فلا بأس، وأنتم لا تصغوا لأحد ولا تقربوا لشيء إلا بإذني ولو يطلبكم عبد القادر بن محمد لا يأخذ منكم شيء سوى إذا أذنتكم أنا بنفسي...لايكون معي إلا من ينفعني بصحته أو بماله علي الخوف من كل جانب.."
وفي نفس الصدد، أي تجديد الشيخ بوعمامة للطريقة الشيخية فيقول:
د. خليفي في خاتمة كتابه، الطريقة الشيخية:
" كان الشيخ بوعمامة قد أخذ الطريقة عن شيخه محمد بن عبد الرحمان أحد مقدمي الشيخية في بلدة بني ونيف. وهو الذي أشار عليه بالاستقرار في بلدة مغرار وتأسيس زاوية شيخية هناك، وذلك حوالي سنة 1875 إحياء لزاوية الجد سيد الشيخ.
في بلدة مغرار التحتاني حاول الشيخ بوعمامة أن يوحد كلمة أولاد سيد الشيخ، بعد أن تفرقت كلمتهم عقودا طوالا. وقد عمل الشيخ على تجديد الطريقة وإحيائها، بعد أن كادت تنمحي بسبب الصراع بين طوائف أولاد سيد الشيخ حول الزعامة ومختلف الأمور الدنيوية."
وفي خاتمة البحث ورد ما يلي:
" ومهما تكن المصائب والبلايا التي حاقت به في غمرة كفاح لم يكن متكافئا بطبيعة الأمر، فإن الدعامة الصوفية التي استند إليها عمله كانت المصدر الأول من مصادر طاقته، تلك الطاقة التي عرف كيف ينقلها إلى رجاله".

وحدة المشيخـــــــــــــــــــــــة:

هناك قضية في غاية الأهمية لا بد من توضيحها، وهي أن مشيخة الطريقة الشيخية تظل واحدة في كل عصر وفي كل جيل لا تتعدد. بمعنى أن الشيخ الحي القيم الوارث لسر سيدي عبد القادر بن محمد، مبدع الطريقة الشيخية في كل زمان هو واحد، في حين أن الزوايا التي تحمل اسم الشيخية يمكن أن تتعدد كفروع للزاوية الأم التي تكون تحت إمرة شيخ الطريقة. كما أن الشخص القيم على كل زاوية فرعية يمكن أن يسمى شيخا عن طريق المجاز، ولكنه شيخ مكلف بتسيير شؤون تلك الزاوية الفرعية فقط بخلاف الشيخ الوارث. وغير خاف أن سيدي عبد القادر بن محمد كان قد حرر العبيد بوصية مكتوبة وترك تحت أيديهم حق كامل التصرف في شؤون الزاوية دون أن ينافسهم فيها أحد من أبنائه. فهل يقال أن العبيد الذين تعاقبوا على تسيير الزاوية الشيخية الأم كانوا شيوخا للطريقة الشيخية لمجرد كونهم تقلدوا تسيير الزاوية؟ ومن جهة أخرى واضح أن سيدي عبد القادر بن محمد قد فصل بوضوح بين الزاوية وبين المشيخة عندما عهد بمشيخة الطريقة لابنه سيدي الحاج بحوص دون الزاوية التي تركها تحت أيدي العبيد كما سبقت الإشارة.
نخلص من هذا الطرح إلى النقاط التالية:
ـ ينبغي التمييز بين الزوايا التي يمكن أن تتعدد تحت نفس الاسم كفروع للزاوية الأم وبين المشيخة.
ـ لا يمكن أن يتعدد الشيخ الوارث للطريقة في نفس الوقت اللهم إلا من بلغ القطبية وأبدع طريقة باسمه.
ـ كان الشيخ بوعمامة شيخا وارثا للطريقة الشيخية ومجددا لها بلا منازع استمدها نظريا من شيخه سيدي محمد بن عبد الرحمان وواقعيا مباشرة من سيدي عبد القادر بن محمد كما صرح بذلك بنفسه.
لا زالت المشيخة مستمرة في خلفه أبا عن جد الى اليوم بوصايا شرعية محفوظة، وعليه

- فالشيخ الحالي للطريقة الشيخية هو سيدي الحاج حمزة تولى المشيخة بوصية شرعية عن والده الشيخ سيدي عبد الحاكم، وسيدي عبد الحاكم تلقى أمانة المشيخة عن والده الشيخ سيدي الحاج الطيب بوصية مكتوبة أيضا، وسيدي الشيخ الحاج الطيب تلقى المشيخة بدوره بوصية مكتوبة عن والده القطب الرباني الشيخ سيدي أبوعمامة

ـ تتميز الطريقة الشيخية بتعدد الزوايا أو ما في معناها سواء في المغرب أو في الجزائر:
ـ أما في المغرب فتحمل اسم جامع كجامع سيدي أحمد بن الشيخ وجامع سيدي امحمد عبد الله وجامع سيدي الحاج ابراهيم وجامع سيدي الحاج بحوص، وكلها مؤسسات فرعية تابعة للزاوية ، أي الزاوية الشيخية البوعمامية بعين بني مطهر.
ـ وأما في الجزائر فتحمل اسم زوايا كزاوية الأبيض سيدي الشيخ، وزاوية السخونة، وزاوية العين الصفراء، وزاوية ماجنطا، وغيرها من الزوايا الشيخية بالقطر الجزائري الشقيق، وكلها فروع تابعة للزاوية الشيخية البوعمامية الكائنة بعين بني مطهر.
ـ يعود سبب تعدد فروع زاوية الطريقة الشيخية الأم إلى مدى فضل الله الذي يجريه على أيدي شيوخها الكرام لمن سبقت لهم منه سبحانه عناية. ومن أمثال هؤلاء:
ـ الشيخان الجليلان سيدي التاج بلحرمة وسيدي محمد بن بحوص اللذان ظهر عليهما فضل كبير ومشهود لهما بالخير والصلاح ، هما تلميذان للشيخ سيدي الحاج الطيب بن بوعمامة أجيزا على يديه ووجههما حيث أذن لهما بتأسيس زوايا. ومن هنا فالزاويتان الموجودتان باسمهما تابعتان لزاوية شيخهما، وهذا لا ينتقص من فضلهما ومكانتهما البتة، وإنما يعتبر من قبيل إرجاع الفضل إلى ذويه، ومن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق.
ـ وسيدي أحمد بن الشيخ الذي يشهد له الجميع بالولاية والصلاح، تعتبر الزاوية التي تحمل اسمه تابعة للزاوية الأم، لأنه كان تلميذا للشيخ بوعمامة شخصيا ثم لابنه سيدي الحاج الطيب من بعده، وهكذا...
ـ يتبين مما سبق ضرورة التمييز بين مفاهيم ثلاث:
= الزاوية التي يمكن أن تتعدد فروعها تحت اسمها،
= ومشيخة الزاوية التي يحملها الشخص القيم على شؤون زاوية فرعية معينة،
= الشيخ الوارث للطريقة الذي يظل واحدا لا يتعدد والذي تتوحد جوانب الطريقة تحت يديه

3) الخلــــــــــــــــــــــــــــف:

كانت المهمة الأساسية الثانية المنوطة بالشيخ بوعمامة هي تجديد الطريقة الشيخية بعد ما طرأ عليها ما طرأ من ضمور وشتات بسبب الصراعات المستمرة بين حفدة سيدي عبد القادر بن محمد لأسباب معلومة لا داعي للخوض فيها. وكانت مهمة في غاية الصعوبة نظرا للتنافس الحاد الذي كان يبديه بنو عمومته الذين كانت مشيخة الطريقة بين أيديهم في وقت من الأوقات. إلا أن المكانة الربانية العالية التي حبا الله به عبده الشيخ بوعمامة ساعدته على تخطي جميع العقبات وفرض نفسه كشيخ وارث لسر سيدي عبد القار ين محمد بلا شك. وقد أسس زاويته الشيخية ابتداء بمغرار في بداية شأنه سنة 1875 بعد ما أذن له شيخه، سيدي محمد بن عبد الرحمان الذي خدمه مدة طويلة برفقة زوجته الكريمة لالة ربيعة. وهكذا، فإن مهمته كانت مزدوجة، الجهاد المستمر إلى آخر لحظة من حياته، ثم السهر على تربية المريدين في تلك الظروف القاسية، في زاويته الشيخية الأصل، البوعمامية التجديد، والتي كثر أتباعها ومريدوها من جميع القبائل، ومنها فروع أولاد سيدي الشيخ أنفسهم.
ولما أحس بقرب أجله نعى نفسه للناس وكتب وصية عين فيها نجله سيدي الحاج الطيب الذي كان رفيقه في الجهاد خلفا له كما ضمنها نصائح عامة وتوصيات للمريدين. ومن جملة ما ورد فيها بخصوص الخلف:
"...وبعد، أيها الإخوان إني على السفر، وتركت لكم الوصية عند ولدي الطيب، طيب الله لكم المشارب، فهو الكفاية في جميع الأمور كلها، الظاهرة والباطنة، فيا بشرى ويا سعادة ويا خير من امتثل أمره ونهيه في الأمور كلها ليس يخصه شيء من خير الدنيا والآخرة في المال والأولاد وجميع الحركات والسكونات..."
لمزيد من المعلومات أنظر ترحمة الشيخ سيدي الحاج الطيب ثم ترجمة الشيخ سيدي عبد الحاكم ثم ترجمة الشيخ سيدي الحاج حمزة

تحقيق خادم الطريقة الشيخية حاكمي مصطفى

والحمد لله رب العالمين .

من كتاب الطريقة الشيخية بين التأسيس والتجديد

للأستاذ حاكمي أحمد بن عثمان

موقع الطريقة الشيخية الشاذلية ( طريقة أسلاف بيضاء نقية )

Mise en ligne le 15/11/2004. Tariqa-Cheikhiyya© 2004